علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم )
69
كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني
مفتوحا ، فاطلب العلة . [ قلت ] : فالضم : قبل ، وبعد ، وحيث . [ فإن قلت ] : لم بني : حيث ، وقبل ، وبعد ؟ ولم حرك ؟ ولم اختير الضم ؟ [ الجواب ] : أن هذه الكلمات الثلاث أسماء ، وحقها الإعراب ، لكنها [ 6 / أ ] أشبهت الحروف ، فوجب لها البناء . وذلك ، لأن ( قبل ) و ( بعد ) أصلها الإضافة . تقول : جئت من قبل كل شيء ، ومن بعده ، وقبل كل شيء وبعده . فإذا لم يكونا مضافين ، وكان ما أضيفا إليه منويا فيهما ، ولم يكن في اللفظ ، لم يكونا تامين ، إذ هما كأنهما بعضا الاسم ، وبعض الاسم ، لا يستحق الإعراب . ألا ترى أن ( الزاي ) من ( زيد ) لا يستحق الإعراب ، فلهذا وجب ل ( قبل ) و ( بعد ) البناء . وإنما بنيا على الحركة ، دون السكون ، لأنهما لو بنيا على السكون التقى ساكنان ، وهم مما لا يجمعون بينهما ، فوجب البناء على الحركة . ولم تكن تلك الحركة الكسر ، ولا النصب ، لأن الجر والنصب يدخلانهما ، وهما معربان . تقول : جئت من قبلك ، وقبلك ، ومن بعدك ، وبعدك . ولم يكن الضم يدخله معربا ، فلما جاء إلى البناء ، بني على حركة لم تكن لهما حالة الإعراب . وأما ( حيث ) فمبني أيضا ، وهو اسم ، وحقه الإعراب ، لكن البناء ، إنما جاء ، لأنه يشبه : ( قبل ) و ( بعد ) ، وذلك لأن ( حيث ) يجب أن يكون مضافا ، فلما لم يكن مضافا ، وكان مرادا فيه ، كان بعض الاسم ، فاستحق البناء . وما يقع بعد ( حيث ) من الجمل ، فإن ( حيث ) مضاف إليه ، ولكن الإضافة إلى الجمل كلا إضافة ، لأن هذه الإضافة لا تفيد تخصيصا ، ولا إيضاحا . ولا يجوز بتة : إضافة ( حيث ) إلى المفرد ، لأن الإضافة إلى المفرد ، توجب إعرابه ، و ( حيث ) مبني غير معرب . قال اللّه تعالى : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ « 1 » . فلم يعمل فيه ( من ) وقد جاء مضافا إلى المفرد ، وهو معرب ، وذلك في أشعار الهذليين ، قال الشاعر : 4 - وإنّك لو أبصرت مصرع خالد * بحيث السّتار بين أظلم فالحزم « 2 » في من روى ( الستار ) بالجر . وقول الآخر : 5 - أما ترى حيث سهيل طالعا « 3 » ولم يبن ( حيث ) « 4 » على السكون ، لالتقاء الساكنين ، وبني على الحركة والحركة الضم في أكثر اللغات ، تشبيها ب ( قبل ) و ( بعد ) . وقد جاء فيه الفتح ، والكسر جميعا . فالفتح تشبيها ب ( أين )
--> ( 1 ) 7 : سورة الأعراف 27 . ( 2 ) البيت من الطويل ، لأبي خراش الهذلي ، وجاءت روايته في : ديوان الهذليين 2 : 154 ، والخزانة 5 : 76 : ( بجنب الستار ) ، أما الستار ، وأظلم ، والحزم فهي : أسماء جبال ، أو أمكنة في بلاد العرب . ( 3 ) من الرجز . لم يعرف قائله ، وبعده : نجما يضيء كالشّهاب ساطعا . وهو في الخزانة 7 : 3 ، 11 . ( 4 ) الكتاب 3 : 292 ، والمغني : 1 : 131 .